أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري
147
تهذيب اللغة
يُقالُ : هُمْ أَخَابِثُ النَّاس ، وهو أَخْبَثُ النَّاس . وَيُقالُ للرّجُل وللمرْأة : يا مَخْبَثَانُ - بِغير هَاءٍ للأنثى . قال : وأمَّا قولُهمْ : نَزَلَ به الأَخْبَثَانِ فهما الْبَخَرُ والسَّهَرُ . و في الحديث : « لا يُصَلِّيَنَّ أحَدُكم وهو يدافع الأَخْبَثَيْنِ في الصَّلَاةِ » . أراد بالأَخْبَثَيْنِ : الْغَائِطَ والبَوْلَ . والْحَرَامُ الْبحْتُ : يُسمَّى خَبِيثاً - مِثْلُ الزِّنَى والمالِ الْحَرامِ والدَّمِ ، وما أَشبَههَا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّه تعالى . و في الحديث : « أَنَّ الخمرَ هي أمُّ الْخَبَائِثِ » لأنَّها مُحَرَّمَةٌ تَحْمِلُ شارِبَها عَلَى الْخِصال الْخبِيثَةِ مِنْ سَفْك الدِّماءِ والزِّنى وغيْرِهِ - مِنَ المعَاصِي . ويُقَالُ للشَّيْء الْكَرِيه الطَّعمِ والرَّائحة : خَبيثٌ . . مِثْلُ الثُّوم والبَصَلَ والكَرَّاثِ . ولذلك قالَ النبي صَلَى اللّه عليه وسلم : « مَنْ أَكَلَ مِنْ هذهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا » . وقال اللَّه جلّ وعزّ - يَذْكُرُ نَبِيَّهُ مُحمداً صَلَى اللّه عليه وسلم : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] . فالطَّيِّبَاتُ : ما كَانت الْعَرَبُ تَسْتَطِيبُهُ من المآكِلِ الطَّيِّبَةِ التي لم يَنْزِلْ فيها تحريمٌ مِثْلُ الْجَرَاد والسَّمَكِ والضِّبَابِ والأرانب وسائرِ ما يُصَادُ من الْوَحْش ، ويُؤْكلُ من الأَزْوَاج الثمانيةِ المنْصُوصةِ في الْقُرْآنِ . وأمَّا تَحْرِيمُه الخَبَائِثَ : فما كانت الْعَرَبُ تَسْتَقْذِرُه ولا تأْكُلُه . . مِثْلُ الأفَاعي والعَقَارِبِ وَالْحَرَابي والْبِرَصَةِ والْخَنَافِسِ والْوِرْلَانِ والْجِعْلَانِ والفَأْرِ . فَأَحَلَّ النبي صَلَى اللّه عليه وسلم بِأَمْرِ اللَّه . . . ما كَانوا يَسْتَطِيبونَ أَكْلَهُ ، وحرَّمَ عليْهم ما كانوا يَسْتَخْبِثُونَهُ إلا ما نَصَّ اللَّه جلّ وعزّ عَلَى تحريمه في الكتاب مِنَ الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به عند الذَّبْح ، أو بُيِّنَ تحريمُه على لسانِ النبي صَلَى اللّه عليه وسلم مِثْلُ نَهْيِه عنْ لْحُوم الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ ، وعن أَكْلِ كلِّ ذي نَابٍ من السِّباع ، وكُلِّ ذي مِخْلبٍ مِنَ الطَّيْر . وَدَلَّتِ - الألفُ واللَّامُ - اللَّتانِ دَخَلَتَا للتَّعْريف في « الطَّيِّبَاتِ والْخَبَائِثِ » على أَنَّ المُرَادَ بها : أَشْياءُ كانتْ مَعْهودةً عند المُخَاطَبِينَ بها . وهذا كُلُّهُ : مَعْنَى ما قاله مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ الشَّافعيُّ رحمة اللَّه في تَفْسيرهِ الآيةَ . وأما قَوْلُ اللَّه جلّ وعزّ : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [ إبراهيم : 26 ] فإنَّ التَّفْسير جاءَ : أَنَّ الشَّجَرَة الْخَبِيثةَ : هي الْحَنْظَلة . وقيل : هي الكَشُوثُ واللَّه أَعْلمُ بِما أَرَادَ . والكلمةُ الْخَبِيثَةُ : هي كلمةُ الشِّرْك . وقال اللَّه جلّ وعزّ : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ [ النُّور : 26 ] . وفيها قَوْلانِ : أَحدُهما : الكلِمَاتُ الخَبِيثَاتُ : لِلْخَبِيثِين من الرِّجال ، والرِّجالُ الخَبِيثونَ : لِلْكلماتِ الخَبِيثَاتِ - أَيْ : لا يَتَكلمُ بالخبِيثَاتِ إلّا الخَبِيثُ من الرجال والنِّسَاء .